الانعزالية العربية و"الترامبية" الصهيونية

تابعنا على:   13:25 2020-09-16

بكر أبو بكر

أمد/ ماذا قالت صحف الخليج في "اليوم التاريخي"، وعن توقيع ما أسموه "اتفاق السلام" (وعليكم السلام)، كما قال "نتنياهو" رافضأ بوضوح أي ربط له بالأرض؟

صحيفة "الشرق الاوسط"، وصحيفة "الجزيرة"

عنونت صحيفة الشرق الأوسط السعودية الصادرة في لندن صفحتها الأولى، وبالخط الأسود العريض على الخلفية الخضراء، وهو لون ورق الصحيفة بالتالي: (الخليج و"إسرائيل" سقوط الجدار)! مشيرة في تقريرها لما أسمي اتفاق "السلام" بين دولتي الإمارات والبحرين مع الإسرائيلي وبرعاية الترامبية الصهيونية.

وفي ذات اليوم كان العنوان الرئيس لصحيفة الجزيرة السعودية الصادرة في الرياض، وبالخط الأخضر العريض (دعم سعودي لجهود حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية)!

ولكنها في النصف السفلي من الصفحة الأولى تكتب بالخط الأحمر العريض عن حدث واشنطن (التاريخي) في 15/9/2020 أنه: (سلام أساسه حل الدولتين)!

فيما أكدت إذاعة مكان الإسرائيلية خلو الاتفاق من أي إشارة لحل الدولتين!

بينما صحيفة عكاظ السعودية تعنون صفحتها الأولى بالخط الاسود العريض جدا كلمتين فقط هما: (تأريخ للسلام)! وذلك فوق صورة الزعماء الأربعة من موقعي (اتفاق السلام) في واشنطن.

الصحف البحرينية

في الصحف البحرينية مثل اخبار الخليج، تضع العنوان الرئيس في صفحتها الأولى: (توقيع إعلان تأييد السلام في البيت الأبيض)، وتضع صحيفة الوطن البحرينية على صدر صفحتها الأولى عنوان بالخط العريض فوق صورة البيت الابيض والموقعين: (يوم تاريخي للسلام: ترامب رؤية الملك أشاعت الاستقرار بالمنطقة)، ومقالات في صحيفة البلاد وصحيفة الوطن البحرينية مثل: ملك يصنع تاريخ السلام، ومقال: سنصلي في المسجد الأقصى!

ومقال: مملكة السلام والنفس،ومقال: السلام.. نقطة تحول في الشرق الأوسط....الخ من مقالات احتفائية في عديد الصحف بما تسميه السلام، وتلعن المخالفين بكافة الألفاظ الوحشية المقذعة.

فيما ردد "نتنياهو" بكل ثقة المنتصر-على بعض الأمة المتأسرلة والمتبنية للفكر الانعزالي العربي في واشنطن- قائلا: (أنني عملت على تعزيز قوة إسرائيل فأصبحت “قوية جدا” إيمانا بأن القوة تفضي إلى السلام.)

الصحف الإماراتية!

وتعنون صحيفة الخليج التابعة لإمارة الشارقة على الصفحة الأولى باللون الأحمر العريض: (الإمارات توقع معاهدة السلام لمستقبل المنطقة) لما أسمته الحدث التاريخي!

أما صحيفة الاتحاد المعبرة عن حكومة إمارة أبوظبي والدولة الإماراتية فإنها تضع فوق عنوان الصحيفة ذاتها (الاتحاد) وفوق صورة الأعلام الثلاثة، أعلام (الامارات وإسرائيل وامريكا) تضع عنوانها ما فوق الرئيس (سلام للمستقبل. يوم تاريخي)، ثم في أسفله بعنوان أقل عرضة (معاهدة سلام تاريخية بين الامارات وإسرائيل)، بالإضافة الى عناوين لأقوال ومقابلات ومقالات متأسرلة بالصحيفة مثل :المعاهدة فرصة لإسرائيل لإظهار السلام، وعنوان: على الفلسطينيين العودة للمفاوضات، وعنوان: معاهدة السلام خطة أمل وتفاؤل للجميع!

وعناوين بخط عريض أيضا في الصفحات اللاحقة تقول: الإمارات حاضنة السلام. التسامح جسر بين الشعوب. بصمات يخلدها التاريخ. معاهدات السلام طريق الخلاص عبر التاريخ!؟

فيما أكد لهم "نتنياهو" بكل صلف وقوة وعظمة يراها بذاته في واشنطن، ما لطم بعبارته الموجزة هذه كل من يظنون أنهم حققوا معه وكيانه السلام، قال: (أن القوة فقط هي من يحقق السلام!)، ومؤكدا في كل محفل أن عاصمته القدس وان أرض فلسطين هي أرضه كلها.

وفي صحيفة الاتحاد أيضا مقالات مثل: من جعلهم أوصياء علينا؟ ومقال: الحديث في السلام عن السلام، حيث تحدث الكاتب عن العداء ل"إسرائيل" أنه (العُصاب القهري الذي أفرزه تاريخ من اللعنات على الآخر)!؟

وأطلق سيلًا من النعوت مثل (الملاءة الرثة) و(الشعارات المبتذلة) و(غشاوة سميكة) و(العرب وقعوا في الوهم التاريخي)!؟ وغيرها من المصطلحات الانسحاقية تحت ملاءة الرواية الصهيونية ما لا يمكن هضمه حتى لطفل صغير فيه ذرة صغيرة من الانتماء!

الصداقة الخليجية مع "الشعب" الإسرائيلي

ثم تقفز صحيفة الاتحاد الرسمية قفزة كبرى بين النجوم كحال المسبارالذي اطلق الى المريخ! فيكتب رئيس التحرير حمد الكعبي مقال محبة وغرام وصداقة! له في صحيفة (يديعوت احرونوت) العبرية! وفي الاتحاد معاً، وللتأكيد يضع في صحيفته صورة مقاله هذا بالعبرية!

يكتب رئيس تحرير صحيفة الاتحاد الإماراتية: (قد أصبح السلام بين الإمارات و"إسرائيل" واقعاً ملموساً، له ما بعده من مكاسب جيوسياسية واقتصادية مهمة للبلدين، وآفاق رحبة في مجالات التجارة والاستثمار والنقل والتكنولوجيا والهندسة المعمارية والطب والزراعة المتقدمة، وغيرها من المجالات، التي سيكون للتعاون فيها آثاره الإيجابية على الشعبين «الصديقين» والمنطقة جميعها!)، موهما نفسه أن الإسرائيلي "الصديق" يتعاون! وهو لا يقبل إلا أن يسيطر، ولن ننتظرطويلا.

وبعد أن يشتم رئيس التحرير (ضجيج وعويل «تجار وسماسرة القضية» الذين لم يقدموا شيئاً لأنفسهم ولا لأمتهم ولا لمحيطهم، ولم يساهموا سوى في الفرقة والانقسام وتأجيج الصراعات)!

يخلص حمد الكعبي قائلا أن من الضروري: (أن يدرك الجميع أن «الشخصية الإماراتية» تؤمن بأن العبور إلى الغد لا يكون إلا بالقرارات الشجاعة التي تحول التحديات إلى فرص، فليس ثمة مكان للمسارات التي أصبحت غير قابلة للتحقق، بينما المستقبل لن يكون إلا للسلام.)! إذ لا مكان للفهم العروبي الجامع وإنما "للشخصية الاماراتية" المنفصلة والمنعزلة، والتي أسماها هو الشجاعة، وكأن هناك شجاعة بالانسحاق او الأسرلة والغوص في الوحل!

ثم يختم فيحيي كل أصدقائه في "إسرائيل" قائلا: (وختاماً نقول: سلاماً لقراء «الاتحاد» و«يديعوت أحرونوت» ولكل أصدقائنا في إسرائيل، ولكل محبي السلام في المنطقة والعالم.)!

وعن أصدقاء حمد الكعبي في "إسرائيل"! وردًا على ما قاله الإماراتي في البيت الأبيض بمطالبته وقف أو تجميد الضم، قال له د.إيدي كوهين صباح اليوم متهكما على ذلك: (إن ذلك لحفظ ماء الوجه)، يعني مجرد كلام بلا معنى! ولا جديد في ذلك لمن يفهم لأنه سلام مقابل سلام! كما تم خداع الجميع! ولن يرونه إلا بالمفهوم الإسرائيلي الذي يعني السيطرة والهيمنة والجبروت.

إشارات في السلام

في إشارة سريعة للحقيقة والواقع، فهي كما قالها فقط "نتنياهو" في واشنطن بالامس: أن القوة هي ما صنع السلام، أي قوة كيانه الإرهابي هي من أجبر الخوّارين المرتبكين المتأسرلين المستسلمين للسقوط فقط لا غير.

عدا عن أن ما يتم ترداده في بعض صحف الخليج من مصطلحات "السلام"! هي خارج السياق العلمي والمفهومي، فالسلام يكون بأن يؤمن الطرفان أولا: بالاعتراف ببعضهما البعض، ولا اعتراف إسرائيلي حتى الآن لا بالشعب الفلسطيني ولا بالأرض الفلسطينية ، ولا بالدولة، ناهيك عن إسقاط القدس واللاجئين وتثبيت المستعمرات في الأرض؟!

والى ذلك لتحقيق "السلام" وجب توفر المساواة، والندية كشرط للسلام، وبخروج بعض ساسة الدول العربية عن مبادئها الداعمة للحق والعدل والسلام الحقيقي، وتحللها من عروبتها وحضارتها كبُرت قوة الإسرائيلي، واختل الميزان لصالح مزيد من سطوة الصهيوني على فلسطين والامة، ونفقد نحن القوة في تحقيق المساواة والندية التي كنا نستمد جزء كبير منها من الحائط العربي الذي سقط (كما عنونت الشرق الأوسط للمصادفة)، لذا تسقط "ثقافة السلام" ويتحول السلام لاستعراض القوي على جثة الضعيف بعدم وجود الاعتراف والندية والتعايش والمساواة والعدالة.

خطورة الطروحات في صحيفة الشرق الاوسط اللندنية أنها بالحقيقة تمثل عراب التسوية والأسرلة والاستسلام للامريكي والاسرائيلي منذ زمن طويل، بل وكانت المحرض الرئيس ضد وحدة الأمة، في كثير من مقالات كتابها، وضد القضية الفلسطينية كما رأينا في سياستها الداعمة للترامبية والانعزالية العربية، والحركة الصهيونية.

الاحتفاء الخارج عن السيطرة بعلاقات "الصداقة" المفاجئة! مع الإسرائيليين كما بدا منذ زمن في الصحف المذكورة، ومن سار على دربها من سياسيين او إعلاميين ارتبطت بفهم قاصر أو بجهل في القضية الفلسطينية العربية، بل وارتبطت بإرادة التحلل النهائي من الرباط العربي والاسلامي المبدأي فيما أسمى حديثا الانعزالية العربية التي ترى نفسها مطالبة فقط بالدفاع عن عروش قادة الدول ومصالحها الذاتية، ومصالحها الاستهلاكية النهمة والاقتصادية مقابل الدوس العلني على القضايا الجامعة للأمة، وهي الى ذلك لا ترى امكانية استنهاض هذه الأمة وجعلها قوية حيث قدم "نتنياهو" نصيحة واضحة لهذه الأمة العاجزة حين قال مبتسمًا وهو يغمز بعينه: أن من يصنع السلام يصنعه بالقوة وهو لذلك صنعه!

فأين هي قوتنا الموحدة، السياسية والعسكرية والاقتصادية لنكون بمقدار قوة الإسرائيلي؟ إن رغبنا تحقيق السلام الحقيقي أو الحفاظ على ديموته؟

إن ما حصل وبهذا الشكل الانعزالي العربي، المتحالف مع الترامبية الصهيونية هو استسلام وانسحاق سياسي ونكوص ديني وحضاري، وفشل فكري ثقافي فظيع حين يتبنى العربي رواية الإسرائيلي كاملة، بوعي أو دون وعي، وسيكون ما سيكون من انكشاف واستباحة للامة من المحيط الى الخليج.

كلمات دلالية

اخر الأخبار