المركز العمودي للإدارة الذاتية

تابعنا على:   23:57 2020-10-08

نصار جرادة

أمد/ في التحفة السينمائية الإسبانية الرائعة المنصة ( The platform ) للقاص وكاتب السيناريو المبدع ديفيد ديسولا والمخرج الكبير جالدير جاستيلو ونخبة من الممثلين الرائعين تلخيص وتشخيص فريد لخيال إنساني خصب ساخر عجيب يمكن إسقاطه بنحو ما على واقع فلسطين المنكوبة السليبة المختزلة سرياليا (Surrealism ) وعبثيا ( Absurdis ) في قطعتي أرض صغيرتين نسبيا ، شحيحتي الموارد ، منفصلتين جغرافيا ومكانيا لكنهما مرتبطتان بؤسا ومعاناة ومصيرا إلى حد كبير ، قطعتا أرض تحولتا في غفلة من وعي لسجنين كبيرين عموديين يبرز واضحا وجليا فيهما التفاوت الطبقي الكبير ويطفو على سطحيهما صراع شديد لا متناهي ، دموي أحيانا ، على سلطة صارت منتهى الأمل عند البعض وتحولت بقدرة قادر لغنيمة دسمة كبرى يسيل لها لعاب طامعين محليين كثر ، والغنيمة بحسب ميراثنا العتيق البالي محفز دنيوي وآخروي عظيم ولازمة من لوازم بقائنا الفعلي أو المجازي الصوري على قيد الحياة ، أية حياة !!

وبعد : لأن سيناريو الفيلم ثري عميق وزاخر فهو صادم ومزعزع بلا شك لمرتكزات تفكير سطحي ضحل لكثيرين - قد نكون أنا وأنت صديقي القارئ في الغالب منهم - لذا لا أستغرب أن يتسلل إلينا بفعل المشاهدة الواعية دون أن نحس أو ندري يقين قوي كاشف فاضح لزيف إدعاءات ساقطة يروجها البعض ممن يزعمون أنه للبقاء على قيد الحياة في هكذا وسط ديستوبي فاسد خبيث نهم يصير لزاما وواجبا على كبار النهابين تأمين حيواتهم وحيوات من يعيلون عن طريق التهام أكبر قدر ممكن من خيرات ( المنصة / السلطة ) التي تبدأ كاملة فاخرة حافلة بكل ما لذ وطاب وتكون من نصيب علية القوم ظاهرا ، أرذلهم باطنا ، المنصة التي تستمر هابطة على مهل بالفضلة وبالبقايا والفتات الذي يكون من نصيب الأدنى منزلة وقيمة ومن يليهم من المطحونين سيئي الحظ وصولا لآخر الصف ومن هم بالقاع الذين لا يجدون غالبا ما يقيم أودهم أو يسد رمقهم رغم أن الكل من ناحية عسف الاحتلال وامتهان الاستعمار سواء !!

وبالعودة إلى الفيلم موضوع مقالنا المتواضع نجد أنه رمزي إيحائي معقد غير مسل وغير ممتع وهو صادم وسوداوي جدا وهو في مجمله أعمق من قصته الخيالية الغارقة في عالم الدستوبيا الحالك الخبيث ، وهو يناقش قضايا المجتمع بصراحة بالغة تحاكي الواقع الفعلي القاسي للحكومات الديكتاتورية المستبدة وللحفرة الرأسمالية المجرمة الجائرة ، حيث لا مجال للمجاملة أو الشفقة ، فمن بالأعلى سيحتقرونك ولن ينصتوا إليك ومن دونهم سيتبولون عليك ويبصقون في طعامك إذا كنت دونهم أو بالقاع ، وقد يستمر ذلك ما شاء الله إلى أن تتغير المواقع والأدوار !!

وبعد : الناس بحسب الفيلم ثلاثة أصناف فقط ، من هم بالأعلى ومن هم بالأسفل ومن سيسقطون اغتيالا أو انتحارا لعدم قدرتهم على تحمل قسوة الحياة في ظل منظومة طبقية فاسدة ، وفيه تركيز شديد على الغريزة الرئيسة لدى المخلوقات جميعا وهي غريزة البقاء التي تجعل خوف الإنسان على حياته يطغى على ما عداه ، وهو يبدأ من داخل مكان افتراضي أشبه بالسجن يقاد إليه الخارجون عن القانون وبعض المتطوعين أيضا بعد مقابلة شخصية مع أحد مسئولي المكان يتم الاتفاق فيها على قبولهم هناك لفترة محددة لا يمكن الخروج من المكان قبل انقضائها وبمقابل محدد أيضا غالبا ما يكون شيئا يريده المتطوع بشده كما هو الحال مع بطل الفيلم جورينج الذي اختار بمحض إرادته أن يدخل هذا السجن العمودي من أجل الحصول على شهادة الدبلوما وحتى يقلع عن التدخين , وفي كل غرفة من غرف هذا السجن الذي هو عبارة عن حجرات يقع بعضها رأسا فوق بعض يقبع نزيلين فقط وفي منتصف كل غرفة بالضبط هناك هوة سحيقة مستطيلة تسمح لمنصة كبيرة عامرة بكل ما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات والحلويات والفاكهة بالمرور عبرها ، نزولا وارتفاعا ، نزولا ببطء وروية بداخل الفراغ المماثل لحجمها تماما لمرة واحدة يوميا ولمدة دقيقتين فقط في كل دور وارتفاعا سريعا متواصلا إلى المحطة صفر العليا حيث يتم إعداد الطعام وتجهيزه بعد الانتهاء من المرور السالف على الأدوار الأدنى كافة ، ومن شروط الإقامة بالمركز العمودي أو البلاتفورم أن لا يحتفظ أي سجين بأي طعام أو شراب لنفسه أو لغيره بعد تحرك المائدة لأنه إن فعل سيتعرض لهلاك محقق هو ومن يشاركه الغرفة على شكل حرارة بالغة تحيلهم رمادا أو برودة شديدة تجعلهم يتجمدون حتى الموت .

يعلمنا الفيلم :
1- إن التغيير لا يمكن أن يحصل أو أن يتحقق ويكون فعالا مثمرا أو ناجحا إلا إذا حصل بداية من الأعلى لينتقل بعدها إلى الأسفل ، فمن هم في الطبقة الوسطى لا يستطيعون إجبار من فوقهم على إجراء التغيير ، وقد عبر عن ذلك بطل الفيلم بقوله في أحد المشاهد ( أنا لا استطيع التغوط لأعلى !! ) .
2- إن التغيير الحقيقي يستلزم الحوار والإقناع لا اللجوء إلى أساليب الجبر والفرض والإكراه والتهديد .
3- إن التوزيع العادل للثروات والموارد كفيل بالقضاء على كل أشكال الصراع داخل المجتمع .
4- إن الأطفال الأبرياء وصغار السن عموما يدفعون دائما مرغمين ثمن الصراع الطبقي القذر السائد داخل مجتمعاتنا المريضة المبتلاة .
5- إن العلم غير مفيد في حالة الجوع الشديد وهو ما دفع بطل الفيلم جورينج إلى التهام كتابة المفضل المختار عندما لم يجد شيئا يقتات به في الأدوار السفلى .
6- إن الاحتياج الكبير والفقر المدقع يؤديان إلى الصراع الشديد وانعدام الثقة ووقوع الجريمة .
7- أن مالك الثروة لن يسعد بامتلاكها ، بل سيسعد بإنفاقها حال حياته ، ليس كما يشاء بل كما يجب .
8- إن من يصنع التغيير الإيجابي قد لا يلمس بالغالب هو شخصيا نتائجه حال حياته .

هذه بإيجاز شديد قصة فيلم رائع كان سينتهي بالتـأكيد خلال بضع دقائق لو كان كل نزيل من نزلاء هذه الغرف / الأدوار قد ضبط نوازع جشعه مليا واكتفى بأكل حصته وما يكفيه من الطعام أو أقل بقليل ، وترك الباقي صالحا نظيفا مرتبا للنزلاء الآخرين ، يستطيع كل مشاهد أن يفهم الفيلم بطريقته الخاصة اعتمادا على مستواه الفلسفي والمعرفي والإدراكي ولا يمكن أبدا أن تعادل الكتابة عن الفيلم مشاهدته بتركيز عال ففي المشاهدة الأولى له وكذا في كل مشاهدة لاحقة سنكتشف بعض الصادم المبهر الجديد .

كلمات دلالية

اخر الأخبار