مكانـــة المراجعـــة السياسيـــة والنقديــة في الفكر السياسي الفلسطيني

تابعنا على:   12:18 2020-12-03

أبو علي حسن

أمد/ كل شيء يتغير مع الزمن, فالظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والطبيعية والثقافية, هي في حالة تغير مستمر, فلا ثابت في الحياة, فالوجود بشموليته يتغير, والوعي الإنساني يتغير في علاقته مع الطبيعة وكافة الظواهر الاجتماعية, والوعي الإنساني مرتبط بجدل الواقع وحركته الدائمة, والثبات في الوعي الإنساني غير ممكن, وقد يتأخر الوعي الإنساني ولا يستجيب للمتغيرات في الواقع, مما يفضي إلى ثبات نسبي في مجتمع ما أو كيان سياسي, أو حزب سياسي, لكن حركة الواقع وجدليته وسيرورة تطوّره, تسبق بعض الوعي الإنساني لدى بعض الشعوب أو المجتمعات بفعل تمسكها وإصرارها على مواريث اجتماعية وقبلية وعاطفية مرتبطة بالماضي المقدّس, مما يجعل هذه الشعوب أو المجتمعات متخلفة نسبياً عن المستوى الحضاري المتطوّر...

يقول هيراقليطس " إنك لا تضع قدميك في النهر مرتين, لإن النهر متغير ومتحرك, وعندما تضع قدمك في المرة القادمة في النهر, لن تكون نفس المياه, ولا تكون أنت نفس الشخص"  فكل شئ في تغير, وكل شيء متحرك ومستمر...هذا التغير وديمومة الحركة هي التي أفضت إلى هذا المستوى الحضاري الإنساني والتقدم العلمي على كافة المستويات بما فيها الحياة السياسية في المجتمعات المختلفة, ومن هنا نشأ علم المراجعة كعلم أصيل يتناول كافة المظاهر الحياة المجتمعية والفكرية والسياسية ليواكب أو يصوّب مسارات التطور, كما ظهر الأدب النقدي كأحد الأدوات الفعّالة في تصحيح المعتقدات والمذاهب الفلسفية ومن ثم السياسية,  وأضحت المراجعة بمعولها النقدي لا تقتصر على عنوان أو مجتمع دون الآخر...

إن مفهوم المراجعة لا يرتبط بالفكر السياسي وحده بقدر ما يرتبط بشمولية حياة المجتمعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية, فالمراجعة هي تكثيف لممارسة الوعي المجتمعي في إدارة شؤونه وأزماته وأسئلته الشائكة, وهي في السياق عملية نقد واعي وبناء يدرّس في الأكاديميات الدولية, وظيفته إدارة الأزمات الوطنية والاقتصادية والسياسية...إلخ...

إن النظرة للمراجعة ومفهومها الشمولي تنطوي على إشراك المجتمع وقواه الحية ومثقفيه وعلمائه ومبدعيه في تنشيط العقل النقدي, وتجديد روح المجتمع الوقّادة بما يساهم في خلق بنية مجتمعية ومبدعة وقادرة على المواجهة مع أسئلة الواقع المستعصية, وتعكس نفسها في خلق حالة ثقافية تؤمن بالتغيير والتطوير, وتدفع الموروث في جانبه السلبي إلى خارج المجتمع والبيئة السائدة...

ولا يتوقف الأمر عند هذه الحدود, إنما المراجعة في سياقاتها النقدية تسهم في تطوير بنية المجتمع الديمقراطية, وتطوير حركة الإبداع, وبناء الجسور بين الحاكم والمحكوم, وبين المسؤول والمواطن, كونها عملية سجال منهجي وعلمي بين أفكار سائدة وأفكار جديدة نقدية وتأملية...

وحين تصبح المراجعة مفهوماً تصحيحياً وسائداً, تتحول إلى قوة مقاومة مجتمعية فعالة لمواجهة كل أشكال الأزمات الوطنية والاجتماعية, فالدول والمجتمعات التي مارست المراجعة كمبدأ عام يتناول كافة المجالات الفلسطينية والاقتصادية والسياسية, أستطاعت أن ترتقي بواقعها الفكري والسياسي والعلمي عبر قدرتها على التجديد الدائم لبنائها السياسي والديمقراطي ومؤسساته...

 من هنا فإن المراجعة يجب أن تلازم كل نشاط سياسي وفكري واقتصادي, ولا تتوقف عند حدود معينة, ولا تقف عند مرحلة دون أخرى, أو رؤية دون أخرى, كونها أداة معرفية نقدية لازمة لتغيير الواقع وتصويب المسارات...

 إن هذا الفهم التجريدي لمفهوم المراجعة ووظيفتها الناقدة في سلوك الكيانات السياسية والاقتصادية, بالضرورة يقودنا إلى أسئلة محورية تتعلق بالحالة الفلسطينية...

هل كانت المراجعة السياسية, ومفهوم النقد البنّاء كمبدأ وكمعرفة لها مكان في الفكر السياسي الفلسطيني...؟

لمــــاذا هزمنـــــا...؟؟

لطالما ردد جورج جورج حبش السؤال العلمي والفكري في آن..."لماذا هزمنا...؟" كان يستهدف من هذا السؤال تشخيص الحالة الفلسطينية في أمراضها وتحديد النواقص والثغرات في أداء الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية التي أوصلتنا إلى النكبة, فانكب مع نخبة من الغيورين الوطنيين في تأسيس مركز الغد ليكون هو المؤهل للإجابة على هذا السؤال وشاكلته, في إطار مراجعة استراتيجية لمسارات القضية الفلسطينية ونكبتها وثورتها, لكن جملة من الأسباب والظروف الذاتية لم تسهم في تحقيق أمنيته ورغبته, فتحول مركز الغد بغيابه إلى شهيد ثقافي...

ثمة حاجة موضوعية وعلمية للإجابة على هذا السؤال المحوري في ضوء ما سبق عن الوجود المتغير والسياسة المتغيرة,  وعليه تتناسل الأسئلة تباعاً, هل التجربة الوطنية والثورية في الحالة الفلسطينية قد خضعت للمراجعة والنقد المسؤول بما يصحح المسيرة أو يضعها على طريق أكثر ملائمة وأكثر أمناً وسلامة, أم أنها افتقدت إلى هذه الخاصية الواعية والهادئة....؟

وتالياً, هل البيئة السياسية الفلسطينية أصلاً كانت تملك ملكة المراجعة, أو منهاجاً نقدياً علمياً في سياق تجاربها...؟ وهل الأوساط القيادية التي اعتلت ظهر (م.ت.ف) وفصائلها كانت مؤهلة ولديها الوعي الكافي لنقد التجربة  ومساراتها...؟

ليس من قبيل التسرع القول أن التجربة الفلسطينية الطويلة من النضال الضاري المسلح, والسياسي والشعبي والاجتماعي الجماهيري وحتى اللحظة, قد افتقدت لمبضع المراجعة السياسية, كمحاولة نقدية تفسح المجال لبناء فكر سياسي مختلف...

إن الإجابة على هذه الأسئلة الاستنسابية تنطوي على فرضية فهم أعمق لكل محطات التجربة السابقة منذ النكبة ومساراتها, مروراً بانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في صعودها وهبوطها, في إنجازاتها وإخفاقاتها وصولاً إلى اعتماد نهج التسويات, وولادة اتفاق الإذعان الذي جسّده أوسلو, عبر الاعتراف بالكيان الصهيوني الذي كافح الشعب الفلسطيني ضده منذ قرنٍ من الزمان, الأمر الذي أدى إلى التفريط بما أنجزته الثورة الفلسطينية, وبالحقوق الوطنية التاريخية, وبالميثاق الوطني الفلسطيني الذي كان الحارس للجغرافيا والتاريخ الفلسطيني...

إن الشعب الفلسطيني مر بتجارب كفاحية سياسية ومسلحة في مجابهته للعصابات الصهيونية, كانت غاية في التعقيد والاستثنائية والتمايز عن الثورات العالمية التحررية, هذه الخصوصية لنضالنا الوطني وتعقيداته وخصوصية الغزوة الصهيونية الغربية, ووقوف الغرب عموماً معها, لم تكن لتعطي أي قيادة فلسطينية الحق في الاعتراف بالكيان تحت مبررات صعوبة النضال وتعقيداته وتجاربه, إنما كان يجب أن يترتب على هذه القيادة خيار المراجعة, لا التفريط بالوطن أو التخلي عن الجزء الأكبر منه تحت الضغوط الدولية, فهذه ليست مراجعة, إنما هي نكوص على الأهداف والمبادئ وتفريط بالحقوق, وعليه فإن هذا النفق الصعب كان يجب أن يرتب على هذه القيادة أن تكون كفؤة ومبدعة في مراجعاتها لكل مساراتها السياسية والكفاحية المسلحة كي تتجاوز الصعوبات الجمّة التي تواجه الشعب الفلسطيني جراء الاستراتيجيات العدوانية من ناحية, وجراء الأخطاء التاريخية للثورة الفلسطينية من ناحية ثانية, فالقيادة الفلسطينية لم تثبت جدارتها السياسية أو الفكرية على مراجعة برامجها السياسية والكفاحية والتنظيمية, ولم تدرك أصلاً أهمية النقد الواعي, باعتباره فعل مقاومة, والمراجعة باعتبارها تصحيح لنهج ورؤية المقاومة...   فالتجربة في الأردن كانت تستدعي المراجعة والنقد وتصحيح المسار عبر  المؤسسة الرسمية, وكذلك الحال في التجربة في لبنان, كان يجب أن تكون نموذجاً مختلفاً عن التجربة في الأردن, ولعل فعل الديموغوجيا السياسية قد تجلّى في النزعات السياسية والارادوية في ما يسمى بالحل المرحلي, ولم يكن نتيجته فحص علمي وسياسي لطبيعة المرحلة وقوى الثورة من جهة, والقوى المعادية من جهة أخرى, أي أن ميزان القوى لم يكن لينتج بناء دولة فلسطينية على أي جزء يتم تحريره...! بقدر ما كان يحوّل هذا الخيار إلى تنازل وهزيمة للثورة قبل أن ينضج ويصلب عودها...ويحرف خياراتها الكفاحية المسلحة...وما بين خيار الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين, وخيار الحل المرحلي بما ينطوي عليه من خلفية سياسية, كان يكمن العبث واللاوعي لطبيعة المجابهة مع العدو...وقد مرّ على خيار أو شعار الحل المرحلي (46 سنة) أي جيلين من الشعب الفلسطيني, دون أن يتعرض هذا الخيار لأي مراجعة مؤسساتية من قيادة "م.ت.ف" رغم أن الكثير من الباحثين والخبراء المستقلين, قد أكدوا على فشل هذا الخيار وبؤسه, إن كان كرؤية أو تكتيكاً, فالمرحلة كانت تستوجب تصليب عود الثورة وعنفوانها, وتعميق حضورها بين الجماهير العربية والفلسطينية, عبر إقامة العلاقات العضوية بين هذه الجماهير وقوى الثورة, أي العمل على توفير الحاضنة الشعبية للثورة والحاضنة الرسمية الإقليمية والدولية...

لم تمضِ بضعة أشهر على اعتماد الحل  المرحلي والنقاط العشر كبرنامج سياسي لـ (م.ت.ف) إلا وقد انعقد مؤتمر القمة العربي في الرباط عام 1974, وأقرّ بأنّ (م.ت.ف) هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, بناءً على طلب (م.ت.ف) وحينها مثّل هذا القرار كما لو أنه انتصار استراتيجي للشعب الفلسطيني...

وبعد مضي جيلين من الشعب الفلسطيني, إلا يحق ويستوجب أن يكون هذا القرار محل مراجعة سياسية واستراتيجية في ضوء ما آلت إليه الأمور...؟ هل كان هذا القرار صحيحاً بالمعنى السياسي والاستراتيجي ضمن الرؤية لطبيعة المواجهة مع الكيان...؟ أم أنه قرار ينم أيضاً عن عاطفة جياشة من قيادة لم ترَ إلا نفسها حريصة على الحق الفلسطيني...؟ وماذا قالت التجربة بعد تطبيق هذا القرار...؟ وهل كانت الهوية الفلسطينية فعلاً يمكن إذابتها وابتلاعها من قبل النظام العربي الرسمي...؟ أم أن الهوية الفلسطينية كانت أعمق وأصلب من قدرة النظام العربي على ابتلاعها...؟ ألم تكن الثورة الفلسطينية بفصائلها و (م.ت.ف) في حينها تعبّر عن الهوية الفلسطينية...؟ وأن قرار مؤتمر القمة قد أفسح المجال تدريجياً للتخلي عن المسؤوليات القومية اتجاه الحق الفلسطيني...؟ هل وقفت القيادة الرسمية بمؤسساتها يوماً أمام هذا المفصل التاريخي في سياق المراجعة لتجاربها العديدة...؟ أم أن قراراتها التاريخية تتحوّل إلى أقانيم وأساطير انتصارات...كان يجب أن تكون المراجعة من طبيعة رؤيوية وليست من طبيعة سياسية يحكمها الراهن والمستجد...

ولم يقف عجز (م.ت.ف)وفصائلها عن القيام بالمراجعة عند حدود تجربة الأردن ولبنان والحل المرحلي...إنما عجزت عن ممارسة فعل المراجعة في أدق مراحل المقاومة والمتعلقة بالاجتياح "الاسرائيلي" للبنان وطرد المنظمة من لبنان... هذه المحطة كانت ولا زالت تحتاج إلى مراجعات نقدية سياسية وعسكرية وتحالفية...وإذا كان صحيحاً أن (م.ت.ف) قد صمدت (88 يوماً) أمام أعتى قوة عسكرية في المنطقة, فالصحيح أيضاً أن هناك فرضية لا زالت قائمة بأن بإمكان فصائل الثورة أن  تصمد أكثر, وتفعل أكثر في سياق مقاومتها للغزو...الأمر الذي يفتح الباب لأسئلة مشروعة...هل البناء العسكري للمقاومة الفلسطينية كان بناءً استراتيجياً قائماً على فهم علمي لأداء الثورة المسلحة...؟ وهل الأداء  العسكري ضد الكيان (عمليات وقصف..إلخ...) كان هذا هو الفعل المسلح الأفضل...؟ وهل كانت سياسة حمل البندقية هي كفاح مسلح...؟ أم كيفية إدارة وتوجيه بوصلة البندقية هي الكفاح الأهم من البندقية ذاتها...؟ وهل بنت الفصائل علاقاتها مع أهل الجنوب على أساس إستراتيجي يستهدف خلق حاضنة شعبية استراتيجية لحماية الثورة...؟ وما هي مقومات هذه العلاقة...؟ ربما الأمر يستوجب استذكار أن العدوان "الاسرائيلي" قد بدأ ومدافع حركة فتح وأمل كانت تتبادلان النيران...!! لماذا تم احتضان الثورة في الجنوب اللبناني مع بدايات الثورة...؟ وانقلب نسبياً هذا الاحتضان إلى عداوة مع أفول الثورة...؟ وكيف أديرت العلاقات التحالفية مع الحركة الوطنية اللبنانية...؟ على أساس زبائني أو عشائري أم على أساس حلفاء استراتيجيون للثورة, وحماة حقيقيون لهم مصلحة في بقاء الثورة...؟

أما مرحلة التسوية الطويلة في مداها الزمني, وأحداثها, منذ مؤتمر مدريد إلى اتفاق أوسلو وتوابعه, لم تخضع حتى اللحظة إلى أي عملية مراجعة علمية سياسية وفكرية, باعتبارها لدى القيادة الفلسطينية الرسمية "عملاً سياسياً وعقلانياً وواقعياً" يستجيب للمتغيرات الإقليمية والدولية, وهنا يتجلّى الوعي الزائف في مواجهة الوعي الحقيقي, والفرق بين المصلحة الفئوية الخاصة والمصلحة الوطنية العامة, ولا زالت هذه القيادة ممعنة في غيّها ومتمسكة بشعاراتها التسووية رغم مرور ثلاثة عقود على مدريد المؤسس, دون أن تلمس أو تعترف بأن التجربة بحاجة إلى وقفة مراجعة علمية, بل لا زالت تدحض إعلامياً وسياسياً كل موقف نقدي للتجربة...

إن أحد العوامل التي تفسر غياب منهج المراجعة والنقد الجريء والبنّاء لتجارب الثورة والمقاومة, هي المتعلقة ببنية فصائل العمل الوطني, كونها بنية هشة فكرياً, وفاقدة للوعي الدياليكتيكي والاستراتيجي, وهي بنية مسطحة تقدّس أفعالها, وأقرب إلى الشعارات العاطفية والخطاب الشعبوي, بل هي كفؤة في إدارة فعلها عبر البروبغندا الإعلامية والسياسية, كما أنها أحاطت نفسها بما أسمتهم "الكفاحيون" الذين يفتقدون إلى الوعي السياسي والعلمي والاستراتيجي على حساب المثقفين والمفكرين الذين يتمتعون ببنية عقلية نقدية, الأمر الذي ساهم في إحداث عملية نزف كادري عقلاني من الفصائل, في حين بقي المصفقون من الموالاة إلى جانب هذه الفصائل, ليكونوا حرّاس على إرثها من الأخطاء والتجارب...

وهكذا افتقدت هذه القيادة إلى العقل السياسي المبدع الفاحص للتجربة في غنائها وأخطائها, حيث قدست السلاح بدايةّ,  وحين فشل السلاح, قدست التسوية, وحين فشلت التسوية قدست السلطة, ولما كان المال هو خالق السلطة, قدست المال...وفقدت الحالة الفلسطينية "سمكة الثورة ماءها" على حد تعبير ماوتسي تونغ.