تعايش الوطني مع القومي

تابعنا على:   12:30 2021-03-04

د. علي محمد فخرو

أمد/ تحدثنا منذ أسبوعين عن أهمية انتقال الدولة الوطنية القطرية من وضعها الحالي المملوء بنقاط الضعف إلى الدولة الوحدوية، تدريجياً وسلمياً وتضامنياً متبادلاً، مع باقي الأقطار العربية الأخرى. وبيّنا أهمية البدء بخطوات ونشاطات تهيئ وتسهل ذلك الانتقال، كخطوة إصلاح الجامعة العربية من أجل قيامها بدور نشط ومبادر في حقول التوحيد القومي في شتى الحقول المجتمعية. وبالطبع سيكون إصلاح الجامعة في الأساس على أيدي أنظمة الحكم العربية.

دعنا اليوم ننظر في أنواع الأدوار التي يمكن لمؤسسات المجتمعات المدنية العربية القيام بها من أجل المساهمة في تهيئة الأجواء لذلك الانتقال الوحدوي المنشود.

في اعتقادي أن مبادرة جميع الاتحادات أو التجمعات الوطنية، في جميع الحقول، ومن دون أي استثناء، لطرح، والعمل من أجل قيام اتحادات قومية عروبية فيما بين تلك الاتحادات الوطنية، ستكون مدخلاً لخلق تلك الأجواء الإيجابية الوحدوية. ويستطيع بعض أعضاء تلك الاتحادات الوطنية، إن وجدوا تردداً من قبل قياداتهم أو تزمتاً وطنياً لا يقبل فكرة العمل العربي المشترك، أن يبادروا بطرح الموضوع أثناء اجتماعات الهيئات العامة لتلك الاتحادات، وإقناع الأغلبية بتبني التوجه الوحدوي في حقل نشاطهم.

إن قيام الاتحادات القومية العربية سيساهم إلى أبعد الحدود في ترسيخ وتجذير مشاعر الانتماء إلى وطن عربي واحد، وأمة عربية واحدة، وفي اكتشاف ميزات العمل العربي الجماعي وقدراته الهائلة، وفي الشعور بالاطمئنان القومي تجاه منافسات وتحديات الخارج غير العربي، وفي بناء العواطف الإنسانية الأخوية عند الإنسان العربي تجاه كل الشعوب العربية الأخرى، وعلى الأخص إبان حلول المصائب الطبيعية، أو المدبرة من قبل أعداء الخارج.

وبوجود تلك الاتحادات القومية التعاونية يأمل الإنسان في التقليل من المناكفات العبثية باسم الوطنية المتزمتة، كما حصل أحياناً في حقل المنافسات الرياضية فيما بين الفرق العربية الوطنية. وهي مناكفات لا تقف عند يوم الخلاف، وإنما تستعملها جهات مشبوهة خارجية وداخلية من أجل خلق المزيد من الاحتكاكات والصراعات البينية العربية الصبيانية. ولعل ما حدث من مماحكات تناحرية ما بين الجمهور المصري الشقيق والجمهور الجزائري الشقيق أثناء إحدى مباريات كرة القدم التنافسية منذ فترة، يبين مخاطر التزمت الوطني على حساب رحابة وسماحة القومي المشترك.

إن تلاقي أعضاء الاتحادات الوطنية والعمل مع بعضهم بعضاً تحت الجناح القومي المشترك سيقود إلى بناء صداقات وذكريات وآمال مشتركة، تماماً كما فعلت مختلف الجامعات العربية عندما ضمت في جوانبها مجاميع طلابية من مختلف الأقطار العربية فساهمت في بناء روح المحبة والأخوة والتفاهم المشترك فيما بينهم. ومع الأسف، فإن تلك الظاهرة القومية قد تراجعت بسبب وجود جامعات وطنية في جميع أقطار الوطن العربي، الأمر الذي أبعد الشباب العربي عن العمل مع بعضهم بعضاً في مختلف النشاطات الطلابية والمجتمعية والقومية.

ويستطيع من يريد معرفة أهمية اللقاءات الأخوية والنشاطات المشتركة ما بين شباب الأمة أن يتعرف إلى تجربة المخيمات الصيفية الشبابية العربية التي تجمع الشباب العرب من مختلف أقطار الوطن العربي لبضعة أيام في كل صيف بصورة دورية، وفي مختلف البلدان العربية. إنها تجربة غنية بالعبر والآمال والمشاعر والتفاهمات العروبية التي تجسد الإمكانات الهائلة الموجودة في كل عمل عربي مستقبلي مشترك.

كما أن النجاحات الهائلة التي حققها قيام المجلس العربي للاختصاصات الطبية منذ ما يقترب من نصف قرن، والتي تحتاج إلى مجلدات لسردها وتبيان نتائجها المبهرة، هي مثل آخر على ما تستطيع أن تفعله الإرادة العربية في حقول التوحيد العربي المشترك.

وفي أيامنا الحالكة الحالية المثقلة بالصراعات العبثية ما بين بعض أنظمة الحكم العربية، يحتاج الشباب العربي، شباباً وشابات، إلى أن يكسر حلقات التباعد والانزواء والانغلاق على الذات الناتجة عن خلق تضاد أحمق غير عقلاني ما بين الوطني والقومي.

عن الخليج الإماراتية

اخر الأخبار