جولة لثمانية سفراء من أمريكا اللاتينيّة في ربوع محافظة سلفيت

تابعنا على:   14:08 2021-04-07

منجد صالح

أمد/ يوم أمس الإثنين يوم ربيعيٌّ جميلٌ بإمتياز، الشمسُ تبعثُ بدفئها المشوب ببعض النُسيمات الباردة المُنعشة. هذا اليوم محافظة سلفيت ومحافظها اللواء عبد الله كميل على موعد مُسبق ومُرتّب ومُنسّق لإستقبال ثمانية سفراء من دول أمريكا اللاتينية، الأصدقاء الداعمين للشعب الفلسطيني وقضيّته العادلة.

فنحن وهم في "الشرق" سواء، وهم من أكثر من يشبهونا على وجه هذه البسيطة، ونحن نُشبههم، وربّما هذا ما يُفسّر وجود أكثر من 12 مليون من أصل عربي مواطنين مُتجذّرين في دول القارة اللاتينية، تبوّأ ويتبوّأ العديد منهم أرفع المناصب في دولهم، ويساهمون بكل نشاط واقتدار في نهضة وتطوّر مجتمع واقتصاد هذه البلدان.

الدينمو وراء هذه الجولة والمُنظّم لها هي "جمعية مردة الخيرية للتنمية"، سفينة تمخُر في عباب بحر العمل المجتمعي وتطوير القدرات، يقودها "نصفت الخُفّش" الرُبّان الماهر المُجرّب "المُعتّق"، دائم ودائب النشاط والحركة والتحرّك كالمكّكوك.

بدأت جولة سفراء دول أمريكا اللاتينية المعتمدين لدى فلسطين في محافظة سلفيت، منتصف النهار، بإستقبالهم في مبنى المحافظة من قبل عطوفة المحافظ اللواء عبد الله كميل وطاقم المحافظة، حيت تمّ إجتماع معهم وحضورهم لفيدو تصويري تعبيري عن المحافظة والتحدّيات التي تواجهها، وخاصة من جهة أن المحافظة "تنعف" بالمستوطنات من كل جهة وزاوية وجانب، وخاصة مستعمرة آرئيل، وهي أكبر مستوطنة في الضفة الغربية ويطلقون عليها لقب "عاصمة السامرة" وفيها جامعة كبيرة تحوي طلاب من دول متعددة. ومستوطنة بركان الصناعية التي يوجد فيها مناطق صناعيّة عديدة.

الإحتلال الإسرائيلي يخترع ويبتدع طرقا وأساليب "مُلتوية" ليقضم ويبتلع الأراضي الفلسطينية بالقوّة من أصحابها الشرعيين عن طريق مُصادرة الأراضي تحت حُججٍ وذرائع واهية، وتحت حراب القوّة العسكرية الغاشمة، ويقتلع الاشجار المُثمرة وخاصة أشجار الزيتون المباركة التي ذُكرت في القرآن الكريم، فالإحتلال يكره شجرة الزيتون، أحد عناوين الوجود والصمود الفلسطيني وتجذّره على هذه الأرض المباركة، منذ زمن أجدادنا الكنعانيين.

وتتعمّد سلطات الإحتلال وقطعان مستوطنيه تلويث البيئة والمياه والأودية والسيول، فهم يبنون المُغتصبات في قمم الجبال ويقذفون بقاذوراتهم وزبالتهم ومياههم العادمة ومجاريهم الوسخة في الأودية والمناطق الفلسطينية المأهولة وغير المأهولة، كما هو الحال في وادي المطوي المجاور لسلفيت، ووادي قانا المجاور لبلدة ديراستيا، في المحافظة ذاتها، حيث "يُفيّع" المستوطنون مياه مجاريهم في وادي قانا ومياهه لتلوث المياه وبيّارات البرتقال والليمون، وحتى تلويث البيئة في الجبال المحيطة المُطرّزة بأشجار البلّوط، والتي تُعتبر من أجمل وأنقي المناطق لولا "مخلّفات المستوطنين النتنة المُقرفة".

في الجولة الميدانيّة للسفراء الأكارم المُبجّلين تمّت زيارة بلدة بروقين وجبالها المكسوّة بأشجار الزيتون والميرمية والزعتر، حيث تمنع سلطات الإحتلال المواطنين الفلسطينيين من ممارسة حقّهم، منذ مئات بل آلاف السنين، بالإستفادة من النباتات البريّة، التي هي جزء من تراثنا التقليدي الزراعي: الميرميّة والزعتر والعكّوب ولسان الثور والزعمطوط واللوف وغيرها، بدعوى "المحافظة على البيئة"، وإسرائيل تنتهك يوميّا البيئة والشجر والحجر وحتى "تُطلق" الآلاف من الخنازير التي تعيث ضررا وفسادا بمزروعات المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم.

وتمّت مشاهدة الإنتهاكات الكّبرى للبيئة ولحياة الإنسان الفلسطيني في مستعمرة بركان الصناعية التي تلوّث البيئة والتي إنتُزعت أراضيها بالقوة من أصحابها الفلسطينيين. ومستوطنة آرئيل التي إغتصبت آلاف الدونومات من الأراضي الفلسطينيّة، والتي تتمدّد كل يوم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، على حساب أراضي وحياة المواطنين الفلسطينيين في سلفيت وإسكاكا وياسوف ومرده وجمّاعين وقيرة وكفل حارس وحارس وبروقين وكفر الديك.

وتمّت زيارة بيت المواطن الفلسطيني "المنكوب" هاني عامر من بلدة "مسحة"، والذي يقع خلف جدار الضمّ والتوسّع غير القانوني، وكيف أن بيته مُحاط بالأسوار والأسلاك الشائكة، معزولا وكأنه في سجن صغير، تعدُّ عليه قوات الإحتلال حتى أنفاسه وأنفاس عائلته، ولا يستطيع التحرّك أو الخروج أو الدخول من بيته إلا من تحت حراب ورشّاشات جنود الإحتلال.

المحطّة الأخيرة والرئيسيّة في الجولة كانت في بلدة مرده حيث التظاهرة والإحتفالية ودُرّة تتويج النشاط المُشترك الأمريكي اللاتيني- الفلسطيني في ربوع وثنايا هذه القرية الفلسطينية العريقة، وفي ديوان آل الخفّش الجميل الراقي الأنيق الفسيح الواسع المِضياف، المبني والمُجّهز بإتقان ونضارة وذوق رفيع ومحبّة وتعاون وعلى آخر طراز.

الديوان العامر دائما بإذن الله تعالى وقدرته واحة وارفة الظلال بمياهها الزلال ونسمة البحر الأبيض المتوسط، تهبُّ من جوار حيفا ويافا وعكّا القريبة، على بُعد خبط العصا، تُداعب المُحيّا حين فتح نوافذ الديوان الغربية، تمتزج مع شذرات الألفة والمحبّة التي تُزيّن وجوه وهامات المُضيّفين من رجال مرده، المتقدّمين في السن والعمر المديد سنوات وزهرات إلى الأمام بمشيئة الله، ومن الشباب المهذّبين المتوثّبين المُتحفّزين لتقديم كل ما يلزم من أجل راحة الضيوف وإخراج مكنونات هذا اللقاء الجميل بصورته الحضارية الراقية.

هذا بالرغم من أن بلدة مرده العامرة، جارة جمّاعين مهد ومنبت حجارة البناء الأجود، ترزح تحت وطأة مستوطنة آرئيل التي "تمتطيها" من على أعلى قمم التلال المُحيطة، وتخنق أنفاسها، وتصادر أراضيها وتُحيط البلدة بجدار.

وأنّ الدخول إلى البلدة والخروج منها يتم فقط عبر بوّابتين من الحديد، في طرفيها العلوي، من جهة كفل حارس، والسفلي، من جهة جمّاعين، كانت قد نصبتها قوّات الإحتلال، منذ سنوات، لتقييد وتحديد وعرقلة وإعاقة وحتى منع حركة وتحرّك المواطنين، سكّان مرده والقرى المُجاورة.

لكن بالرغم من كلّ هذا فإن مردة تجد لها وتصنع لها مكانا وفسحة للأمل والفرح، من خلال جهود ومفاعيل وأعمال "جمعية مرده الخيرية للتنمية" وطاقمها المُجرّب النشيط. وأن واحدا من الأمثلة على ذلك الحاضرة والماثلة أمام أعيننا هو إنجاز هذه الجولة لسفراء ثمانية من دول أمريكا اللاتينية الصديقة.

وصل السفراء من جولتهم الميدانية إلى ديوان آل الخفّش الأنيق في مرده في حدود الساعة الثالثة بعد الظهر، وهم: "السفير ماهر طه (فنزويلي من أصل فلسطيني يتحدّث العربية)، سفير جمهورية فنزويلا البوليفاريّة، السفير بيدرو بلانكو بيريز، سفير المكسيك، السفير روبيرتو موراليس، سفير نيكاراغوا، السفير اليساندرو كاندياس، سفير البرازيل، السيّد نيفيل مونتينيغرو، ممثل الإكوادور، السيّد مارتين ارنستو لافورغي، ممثل الأرجنتين، السيد ريكاردو كارديناس، نائب سفير التشيلي.

رحّب عميد عائلة الخُفّش بالسادة السفراء في ديوان آل الخفّش وعلى أرض بلدة مرده التي تفتح ذراعيها ترحيبا وإحتضانا وحبورا وسعادة بالأصدقاء السفراء.

وخلال ذلك أزف وقت الغداء فتمّت دعوة الضيوف، بوجود عطوفة المحافظ، ومدعويين من القرى المُجاورة، على غداء فلسطيني تقليدي فاخر، وهي أكلة "المسخّن" الفلسطينية، تخصص الوسط والشمال الفلسطيني لوجود أشجار الزيتون، حيث تحتاج إلى زيت الزيتون وخبز "الطابون" البلدي، يلبس حلة من البصل المطبوخ والدجاج المحمّر، مع الخبز ببصله في الفرن.

طبق وأكلة فلسطينية شعبية متوارثة، للمناسبات الكبرى بوجود الأصدقاء والأحباب، وهنيئا مريئا وصحتين وعافية.

في نهاية الإحتفال قدّمت جمعية مرده الخيرية للتنمية فيديو مصوّر يشرح عن نشاطاتها وفعاليّاتها المُجتمعّية وفي مجال الدعم والإسناد.

كما قدّمت هدايا رمزية للسفراء عبارة عن منتوجات من زيت الزيتون والزيتون المخلل والزعتر، وصينيّة صغيرة من قش نبتة القمع.

هنيئا ل مرده هذه الإستضافة الجميلة، وهنيئا لجمعية مرده الخيرية للتنمية هذا الجهد الذي تكلل بنجاح مُبهر.

كلمات دلالية

اخر الأخبار