معركة فلسطنة الحزبية وهوية م ت ف

تابعنا على:   13:17 2021-06-13

د. سامي محمد الأخرس

أمد/ من الصعب أن تكون تُدرك ما يمكن إدراكه في مرحلة ما، وتدرك ما لا يُدرك في ظل حالة الصراع الوجودية القائمة في عملية الإدراك الفلسفي لمفاهيم متعددة تحت ظلال واقع لا يمكن الإدراك به معاني الوجود أو الإدراك بحدسيها الوطني العام، والمحلي الخاص الذي لا يمكن إدراكه دون أن تضطلع بتفسير فلسفة السياسة الوجودية كمدرسة وعلم قائم يمكن إسقاطه على مجموعة المتغيرات الشاهدة في صراع الوجود.
أدركنا مفهوم الصراع من جهة، ومفهوم الوجود من جهة اخرى في إطار صراعنا الأكبر مع دولة الإحتلال وحقيقة الوجود التي نبحث عنه وسط صراع (وجودي)، فتماثلنا في كينونة التفسير الفلسفي لهذا المتغير الثابت في معادلة متغيرة باستمرار على وقع التطورات والمتغيرات الكونية السياسية بل والإقتصادية التي تطرح وتضرب وتقسم في خضم التطور الطبيعي لأدوات الكون ومتغيراته، فتعددت المدارس ومنظومات السلوك في تفسير وتحليل هذا المكون الثابت وما يحيط به من مكونات متغيرة.
خاضت الثورة الفلسطينية الحديثة جبهات صراعية متعددة أهمها صراع الهوية الذي كان محور الصراع القائم، فقد واجهت صراع الهوية على عدة جبهات، ومحاور متعددة محليًا مع واقعها المتحزب المتشظي بين تنوعات الأيديولوجيا والفهم التفسيري للمعركة وللصراع، وإقليميًا مع واقع أراد فرض الوصاية على الهوية الفلسطينية ومدخلاتها وتجلياتها، ودوليًا في واقع استسلم للرواية الصهيونية، ضمن أكبر عملية سطو وتضليل على التاريخ ومفرزاته وجذوره محاولًا إنتزاع الهوية من جذور التاريخ الممتد. لذلك كانت معركة أو جبهة الهوية هي الجبهة الأكثر احتدامًا في معركة الوجود أو الوجودية أو الإندثار والتشظي والذوبان في دهاليز الشتات والتشتت الفلسفي للمفهوم وواقعه.
وفي سياق هذه الجبهة كان دائمًا سؤال يطرح نفسه على طاولة البحث حول فلسطنة الصراع أو فلسطنة المواجهة، وفلسطنة قواها الحية التي أخذت على عاتقها الإنطلاق وفق قواعد الأيديولوجيا في مواجهة الوجودية التي بدأت بها معركتها ومواجهتها العنيفة، ومغادرة مربع المجهول أو ذوبان الهوية فأقدمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على معركة فلسطنة نفسها ومواجهة المتغيرات والتحولات في مفاهيم الصراع وفلسفته، فكانت خطوتها الأهم تأثيرًا في أدلجة هويتها وفلسطنة معالمها وملامحها عندما انسلخت عن حاضنتها الأشمل (القومية العربية) وانحازت لصراع الهوية بإعلان فلسطينيتها، ورؤيتها لفلسفة الصراع، وهو ما أعاد نفس السؤال على طاولة البحث بعد عدة عقود ليضع السؤال الأكثر فلسفية حول قوة صاعدة في الواقع السياسي الفلسطيني المتحول والمتغير باستمرار(حركة حماس) هل هي حركة فلسطنة نفسها أم لا زالت غير قادرة على خطوة استباقية للانسلاخ من هويتها الأساسية جماعة (الأخوان المسلمين)؟ وهذه تخضع لمراجعة الهوية للحركة الصاعدة بقوة في المشهد المحلي والإقليمي والدولي، وهل فلسفتها الوجودية في صراع الاستمرار تحتم عليها فلسطنة هويتها كما فعلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أم الحفاظ على وسطية الهوية وعدم التركيز الفلسفي على حقيقة انتمائها الذاتي.
ما طرح هذه المناقشة أو تلك المناقشات هو الواقع المتغير الذي أصبح أكثر أهمية من حقيقة الصراع الذي تناولناه سابقًا حول أحادية فلسفة الصراع، وضرورات التفكير في أدوات جبهة الهوية. وعلى وجه التحديد بعد معركة سيف القدس التي خاضتها المقاومة الفلسطينية أخيرًا مع العدو الصهيوني، وما شهدته هذه المعركة من تجليات وأحداث كبيرة رغم قصر الجولة. فقد استطاعت حركة حماس أن تقود المعركة إعلاميًا بحنكة واقتدار ساعدها في ذلك وسائل الإعلام الحيوية التي تسخر كل قدراتها لذلك، ومنها وسائل إعلام عربية واسعة الإنتشار والتأثير في صياغة الرأي العام والوعي العام للشعوب. وبذلك استطاعت حركة حماس أن تنحو النحو الذي كانت حركة فتح تنتهجه بالسابق مع اختلاف الوسيلة والأداة، فحركة فتح كانت تعتمد وترتكز على الكاريزما الخاصة لياسر عرفات - رحمة الله- الذي كان يمتلك القدرة والكاريزما على إحداث أي اختراق في الوعي العام، والرأي العام، بل وذهبت حماس بعيدًا في محاولة صناعة قائد يستطيع فرض كاريزما مؤثرة في الوعي والرأي العام باتجاهين الأول عبر قائدها العسكري (محمد الضيف) والأخر عبر قائدها السياسي(يحيي السنوار)، وهذا ما تتجه حماس في إحداثه عبر أدواتها الأخرى الممثلة ببضع كتاب واصحاب رأي وحضور إعلامي مع محاذير كبيرة يقع بها هؤلاء لا تستطيع من خلالها إحداث الاختراق الفاعل في الوعي العام الشامل، نتيجة عدم قدرتها على قراءة المزيج أو المزاج الأيديولوجي العام للشعب الفلسطيني على وجه التحديد، ولكنها هنا يسجل لها أنها تحاول كي الوعي لدى الأجيال الجديدة التي لم تطلع على صراعنا الفلسطيني الممتد عبر عقود طويلة سواء على الجبهة العسكرية أو السياسية أو الثقافية وتستطيع أن تحاكي هذا الجيل وفق قاعدة إنه شاهد على مرحلة دون أن يكلف نفسه بعناء البحث بالتاريخ أو الإستناد للتاريخ بما إنه جيل التكنولوجيا، وجيل الحاضر القائم.
هذه الفلسفة التي ينتهجها البعض تضرب مفاصل هامة ومهمة استغلالًا لحالة التراجع والإنزواء وعلى وجه التحديد حول منظمة التحرير الفلسطينية، هذا الكيان الذي استطاع أن يشكل جزء هام من الهوية الفلسطينية، ويخوض معركة معقدة على كل الجبهات وعلى وجه التحديد في صراع الهوية التي جئنا عليه سابقًا في هذا المقال، وهي الجبهة التي كان ثمنها باهظًا جدًا بالدماء والتضحيات والقواعد ...إلخ، بل وشكُّل حلف قوي جدًا لإحتواء هذا الكيان وتجييره لمصالح بعيدة عن مفاهيم الصراع التي شرحناها، إلا أن هذه الكيانية استطاعت أن تحقق انتصارات كبيرة على صعيد الجبهة الثقافية والسياسية وتخرج منتصرة في كل معاركها سواء مع الاحتلال ومحاولته لطمس كيانية المنظمة كما فعل بما يسمى روابط القوى وغيرها، أو كما حاول أن يلحقها تحت إطار مصر تارة والأردن تارة أخرى كما فعل في كامب ديفيد عام 1979، ومؤتمر مدريد عام 1992، وأخيرًا في اوسلو عام 1994. وأيضًا كما فعلت الدول العربية في محاولات تذويب الوجود لهذا الكيان كما فعلت بالأردن ومن ثم بلبنان،
ومع كل لحظة تاريخية يتم طرح جدوى وجود منظمة التحرير الفلسطينية، وما الدور الذي شكلته في الوجود الفلسطيني، والصراع الفلسطيني استغلالًا للبعض لغياب الوعي التاريخي لأجيال لم تعاصر ولم تقرأ ولم تجهد نفسها للبحث في واقعها الوطني التاريخي، أو التنقيب عن معاركها الأخرى غير معارك البندقية أي عدم الإبتعاد عن عسكرة الوعي رغم أن معارك الثقافة والسياسة أكثر حيوية من معارك البندقية في صراعنا الخاص مع هذا العدو الذي لا يستهدف الأرض فقط، بل يستهدف الهوية والوجود كتاريخ وكشعب.
بعد معركة سيف القدس بدأت حركة حماس تحاول الصعود في طلباتها وطرحها تحت شعار ما قبل المعركة ليس كما بعدها، وهذا بفعل الدور الذي قامت به في المعركة، وبفعل ما شكلته من حالة إتلاف إعلامي للمفاهيم الوطنية مثل مفهوم (شراكة) وهو ما حاولت أن تنقض عليه عبر تحالفاتها مع قوى المقاومة الوطنية والإسلامية وتوحد الخطاب السياسي الذي اتخذ شكل ومضمون مشروع بحد ذاته، مناقض ومغاير للمشروع التي تتبناه وتؤمن به حركة فتح طرف الصراع القوي الأخر، وعليه أصبح لدينا في فلسفة المواجهة مشروعان، مشروع ينادي بعملية إصلاح على حياء، وبدأ يرتقي لعملية بدائل؟ وعملية البدائل هنا المقصود بها بدائل لكيانية منظمة التحرير الفلسطينية، استغلالًا لحالة هذا الكيانية وما حدث بها من ترهل وانحدار في مؤسساتها لصالح مؤسسات السلطة الفلسطينية، وهي عملية ليست عفوية أو عشوائية بل مدروسة وممنهجة، وبدأ جزء كبير من أصحاب الرأي الموجه الذين لا يدركون إلا الإنتصار لحزبيتهم وعاطفيتهم السياسية بتلقف الفلسفة الجديدة وطرحها بشكل واسع للنقاش والتحاور، وعدم الخشية من أي شيء في طرح ذلك لإدراكهم أن الوعي الحالي للجيل الحالي لن تقف كثيرًا أما محاذير ومخاطر الطرح. ولكن رغم ذلك لا زالت هذه الآراء تصطدم بحائط من يدركون ويعرفون ما أهمية منظمة التحرير الفلسطينية، وما هو دورها الكياني في التاريخ الفلسطيني، فتحتدم المعركة الوجودية - إن جاز التعبير- بين مشروعين يحاول كلًا منهما كسب معركة التفرد في رسم ملامح النظام الجديد. وهنا (التفرد) هو السلوك الذي أضعف هذه الكيانية ودفع بها للحالة التي هي عليها، ومفهوم البديل هو نفس المنهج لخلق حالة تفرد جديدة بشكل جديد ومفهوم جديد وقوى جديدة، مع انبهار البعض من قيادات القوى الأخرى بمصالحه الذاتية دون النظر لخطورة ما يحدث على المستوى الوطني العام.
كل ما يمكن أن نأتي عليه في هذا المقام إننا ناقشنا عدة أفكار حول مفاهيم لا زالت في حلبة الصراع أولها مفهوم فلسطنة الحزبية، والهوية الكيانية، وصراع المشاريع القائم، وكل طرف يحاول تسخير كل أدواته لإنجاح مشروعه، مع الإبتعاد عن المشروع الوطني الرئيسي المعنون بالتحرير ومفهوم التحرير، ومرحلية التحرير التي أصبحت واقع حاضر بقوة في ذهن كل القوى أو معظم قوى النظام السياسي الفلسطيني، ويتبقى سؤال هام من ينجح في إحداث الإختراق؟ هل تنجح قوى التغيير في فرض بديل؟ أم تحافظ القوى التقليدية على الكيانية؟

كلمات دلالية