نوادر  وطرائف من قصور عليّة القوم   

تابعنا على:   11:56 2022-09-13

السفير: منجد صالح

أمد/ في زيارةٍ تاريخيّةٍ قام بها البابا يوحنا بولس الثاني، البابا كارول جوزيف فويتيلا  البولندي الأصل، إلى إحدى الدول الإفريقية "المعثّرة" التي كانت تنهشها المجاعة والفقر والحرمان ....

في المطار وبعد هبوط قداسته من الطائرة، إقترب من جموع  وصفوف "المؤمنين" السود، الذين كانوا ينتظرونه لتحيّته والتبرّك منه على أرض المطار.....

لاحظ البابا أثناء سلامه وإستقبال سلامات الجموع المحتشدة أن معظم الأطفال الصغار المحمولين في أحضان أمّهاتهم أو على ظُهورهن، يحملقون به بعيون كبيرة جاحظة ووجوه نحيلة، "الجلد على العظم"، كما يُقال، فسأل احد المسؤولين من الدولة المضيفة المرافق لقداسته عن سبب هزال هؤلاء "الملائكة" الصغار. فجاءه الجواب من المسؤول المُرافق: "بأنّهم لا يأكلون!!!".

إعتقد البابا أن هؤلاء الأطفال لا يأكلون بسبب عنادهم أو بسبب رفضهم للأكل وليس بسبب الفاقة والمجاعة، فإقترب من واحدٍ منهم الرابض في حضن أمّه ومسك خدّه بين أصابعه وفركه بحنان، وهمس في أذنه قائلا : "لازم توكل يا حبيبي لازم توكل ؟؟!!!".  

تذكّرت هذه الحادثة الطريفة عن قداسة البابا وأنا أقرأُ مقالا في الصحف حول "نصيحة" فخامة الرئيس عبد الفتّاح السيسي للمصريين، "مواطنيه"، لزيادة مناعتهم في مواجهتهم لفيروس كورونا!!!.  

في التفاصيل أن سيادة الرئيس المُبجّل  قد قدّم لمواطنيه "نصيحة" قيّمة ثمينة حصيفة فصيحة"أم عيون جريئة" لمواجهة فيروس كورونا وزيادة مناعتهم، مُبيّنا أن "الرياضة والتغذية السليمة" هي الاساس  والحل "الباتع"؟؟!!

لوهلة إعتقدت أنني أسمع تصريحا، نصائح، من مستشار ألمانيا لمواطنيه الألمان، أو لمستشار السويد لمواطنيه السويديّين أو لمستشار النمسا لمواطنيه النمساويين.

في مصر المحروسة، أرض الكنانة،  يعيش حاليّا ما ينوف على 100 مليون نسمة. فلو إفترضنا جدلا أن نصف عدد السكان "يعشقون" سيادة الرئيس السيسي ويسيرون على هديه وخطاه، فهذا يعني أن 50 مليونا مصريا "يفتحون ثلاجات بيوتهم يوميا ولا يجدون فيها إلا الماء"، كما كان قد عاش سيادته وصرّح بأنه وعلى مدى عشر سنوات لم يكن في ثلاجته إلا الماء!!، الماء الفرات العذب الزلال طبعا، الصالح للشرب، وليس من ماء "الدوّار" أو من ماء "الترعة"!!

ويبدو ان "ماء السيسي" كامل الدسم، يُعتبر وجبة متكاملة كفيلة بأن تمدّ أجسام المصريين من الغذاء والمنعة والمناعة ما يجعلهم يصمدون ويصدّون "هجوم" فيروس الكورونا.

صحيح أن مواصفات الماء الطبيعي بأنه بلا لون ولا طعم ولا رائحة، لكن "الماء الرئاسي" هذا لذيذ الملمس والذوق والرائحة. وكلوا يا مصريين واشربوا هنيئا مريئا و"صحتين وألف عافية"!!!

وختم سيادته دُرّة كلامه ونصائحه "مناغشا" المصريين قائلا: "من فضلكم حاولنا أن لا نُثير خوفكم من بداية الأزمة، وأن نجعل الموضوع في حضن وزارة الصحة والأطقم الطبّية، هم من يتحمّلون الضغط والوضع كلّه، ونقلنا الموضوع برمّته برفق لكي لا نُثير الفزع والجزع!!!".

"كلام جميل كلام معقول ما أقدرش اقول حاجه عنّه". "والله هذا الراجل بيتكلّم كويس أوي" على رأي عادل إمام في فيلمه "السفارة في العمارة".

لكن في خضمّ "نقل الموضوع برفق ورويّة لكي لا نُثير الفزع والجزع" كانت الدكتورة ليلى سويف تنام على قارعة الطريق، تفترش الارض وتلتحف السماء، أيّاما وليال طوال ثقال، أمام سجن طرّة حتى تستطيع مقابلة إبنها علاء، "الموضوع في حضن السجن"، لكي تُزوّده بزجاجة دواء محلول لترطيب حلقه الجاف وشفتيه المُشقّقتين، في السجن ظلما، بسبب إضرابه عن الطعام شهرا إحتجاجا على إعتقاله على خلفية آرائه السياسية وحرية الرأي والتعبير، المكفول بنصوص واضحة صريحة في الدستور.

وعندما حضرت صحفية "جريئة مشاكسة" لإجراء مقابلة معها على الرصيف، قام رجالٌ من  "العسس" بإعتقال الصحفيّة "الحربوقة" و"جرجروها" على أقسام البوليس.

وفي ظلّ "هذا الرفق" كان تمّ إعتقال الدكتور الاستاذ حسن نافعة لمدّة ثلاث سنوات بصورة غريبة عجيبة وأطلق سراحه بنفس الغرابة والعجب، على خلفية آرائه ومواقفه التي يجهر بها على شاشات الفضائيات الفسيحة الرحبة العلنيّة وليس "خندزة ودسدسة" في الجحور وفي الأنفاق وفي الظلام ولا من تحت الطاولة!!!.

لماذا يتبدّل أولي الأمر والحكام وعليّة القوم من ابناء جلدتنا في بلداننا الجميلة الممتدة من المياه إلى المياه،، فيكونوا قدّيسون ديمقراطيّون حُكماء في المعارضة وينقلبون إلى"شياطين" نزقين في الحُكم وفوق الكراسي الوثيرة المتميّزة المميزة. يتسلّحون بالشعب ومن أجل الشعب ولمصلحة الشعب ويقمعون ويعتقلون ويُجرجرون "الشعب باسم الشعب ومن أجل الشعب!!!!.

 ربما يتوجّب أن يتم أبتداع مهنة "بصّار" أو "حاوي"، ضارب بالودع، بدل الوزير أو المستشار، كي يُلازم الحاكم العربي ويلتصق به في حلّه وترحاله، وفي تقلّبات أجوائه وأهوائه وهوائه وهواه ومزاجه، ولكي ينصحه "برفق" ويُفهمه أن إستعمال الحُلم افضل من الظلم وإستعمال القلم افضل من السيف وإستعمال الكلمة افضل من الرصاصة وإستعمال الحكمة والموعظة الحسنة افضل من غياهب الزنازين والسجون!!!!

وإذا كان الحكّام العرب يتمسّكون ب "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، فيا ليتهم لو  انهم يتمسّكون بنفس القدر والمقدار والمعيار بإن "افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". فليس من المُحبّذ أن يأخذ "نفرٌ واحدٌ" نصف الكأس الملآن ويترك للشعب كلّه، ملايين الانفار، النصف الفاضي (الفارغ) من الكأس.

غادر أعرابيٌّ الكوفة إلى دمشق، فعلم به معاوية ابن ابي سفيان فإستدعاه لمجلسه وسأله بخبثٍ أمام أركان حكمه ومستشاريه: "هل هربت من الكوفة من ظلم علي إبن أبي طالب؟؟؟".

فقال له الأعرابي: "لا والله. لقد هربت من عدله!!!".

فمتى نهربُ نحن الشعوب العربية من عدلِ حُكّامنا؟؟!!      

اخر الأخبار