"أم إبراهيم" في ضيافة "أمد"..

النابلسي.. اسم حُفر بالدم على الجدران والبلدة القديمة شاهد عيان - فيديو

تابعنا على:   20:46 2022-11-13

أمد/ نابلس- صافيناز اللوح: أتدرون أن الصبر ركع لأمهات الشهداء في فلسطين.. نعم؛ لقد سلم الصبر تاريخه لهنٌ عاجزاً عن وصف قلوبهنّ التي تحملت ما لم تتحمله الجبال، يا صبر أمٌ وهبت ابنها فداء للأقصى وفلسطين، ويا لوعة شوقها التي حرمت منها بسبب رصاصات الغدر، فلا أعرف كيف أوصف هذا الشعور.. حديثٌ طويل وصمت لم أعهده من قبل حتى ذُرفت دموعي لا إرادياً على تلك الأم القوية التي لم يهزها محتل ولا جبان.

أم الشهيد الثائر إبراهيم النابلسي البالغة 43 عاماً من الصبر والتحمل والقوة، في ضيافة "أمد للإعلام" ضمن سلسلة حلقات حول الشهداء الذين أعدموا برصاص الغدر لكيان مغتصب لأرضنا ووطنا وقدسنا وأقصانا.

أم إبراهيم الصابرة، تلك الأم التي يعجز الكلام عن وصفها، تحدثت مع "أمد للإعلام"، عن حياة نجلها الثائر الذي أوقف جيش الكيان على قدم واحدة لعدة أشهر، فمن قوة صبرها حملت نعش ابنها على كتفها، ولأول مرة تزغرد بصوتها على الملأ وأمام مئات الآلاف من الحاضريين والملايين ممن يشاهدون جنازة نجلها الفدائي عبر شاشات التلفزة والبث المباشر، لا أدري أيُّ قلب يتحمل هذا، ولكن هو بالفعل واقع تراه في فلسطين وبين طيات صفحات أمهات الشهداء اللواتي ودعنّ أولادهنّ بزغاريد وزفة عريس وبلا دموع. 

أيقونة النضال الفلسطيني..

النابلسي الذي أصبح أيقونة في النضال الفلسطيني ضد المحتل، صمد لأكثر من 5 ساعات وهو يكافح ويقاتل برصاصات بندقيته المعدودة أمام أعتى آليات عسكرية، وبعشرات الجيبات المصفحة الحديثه، وبعدد كبير من الجنود، وطائرات الهيلوكابتر والاستطلاع ليغتالوا فلسطيني منع التجوال على المستوطنين وفرض على دولة الكيان وقف اقتحامهم لقبر يوسف بالمنطقة الشرقية من نابلس بتهديدات دوت كالرصاص.

صائد الأرواح، وأسد نابلس، هكذا لقب النابلسي بفلسطين، فيما وصفته وسائل الإعلام الإسرائيلية بـ"صاحب الأرواح الـ9" متسائلة آنذاك: "من هو المطلوب غير القادرين على اغتياله؟ من هو إبراهيم النابلسي؟".

ومنذ ذلك الوقت والجيش الإسرائيلي يقتحم نابلس بشكل مكثف بحثاً عن النابلسي، في سبيل تحقيق هدفه باغتياله الذي تحقق بجريمة جديدة ارتكبتها وحدة اليمام ولواء جفعاتي المهزوم.

في فجر التاسع من الشهر الثامن لعام 2022، كان للثائر النابلسي حكاية عز سطرتها حروف كلماته برسالة قصيرة أرسلها لرفاقه عبر الهاتف، قبل رصاصات بندقيته التي تحدثت لتحفر بالدماء اسمه في سجل الفدائيين وبشرف.

اغتيال النابلسي، الذي وصفه الاحتلال الظالم، بالمطلوب الأول له في الضفة الغربية، لم يكن بالسهل على الشعب الفلسطيني بشكل عام، بل على العالم أجمع، فكان بمثابة حزنٌ كبير في أوساط الفلسطينيين، حتى بكته البلدة القديمة وحارة الياسمينة وأزقتها.

محطات نابلسية ثائرة..

نفّذ النابلسي بشكل غير مباشر عدداً من العمليات ضدّ جيش الاحتلال، ليصبح ضمن قائمة الأكثر مطلوبين له، حيثُ بدأت ملاحقته فعلياً لعدّة أشهر حينما اعتبرته المطلوب الأول لديها في مدينة نابلس، وحاولت اغتياله في أواخر يوليو 2022، لكنّه نجا من المحاولة وفقدَ اثنين من رفاقه وهم أبو صالح العزيزي وعبود صبح، كما كان جيش الاحتلال قد اغتال في فبراير من نفسِ العام الخليّة التي كان عضواً فيها، ولكنه لم يكن متواجداً داخل السيارة التي استشهد فيها الدخيل والشيشاني والمبسلط.

في الساعة الخامسة والنصف من فجر يوم التاسع من شهر أغسطس، وردت معلومات استخبارية لجيش الكيان الغاصب، حول مكان اختباء الشهيد إبراهيم النابلسي في البلدة القديمة داخل مبنى مكون من 5 طوابق.

بدقائق وصلت قوة كبيرة من جيش الاحتلال إلى المكان، وحاصرت المبنى، وطلبت من الشهيد النابلسي واسلام صبوح مغادرة الشقة بيد مرفوعة وبدون سلاح، ولكنهم لم يستجيبوا لمطالبه، فاشتبكوا معهم وأطلقوا الرصاص تجاه جيش الاحتلال، من إحدى نوافد المنزل.

احتشد عدد كبير من المقاومين حول المكان، حتى استطاعوا الوصول إلى مدخل المبنى، إلّا أنّ جيش الاحتلال قام بإطلاق النار بشكل عنيف ومكثف لكي لا يصلوا إلى الشقة التي يتواجد بها النابلسي وصبوح وينقذونهم.

في الساعة الـ8:15 دقيقة صباحاً، وبعد محاولات عديدة للضغط على الشهيد النابلسي حتى يسلم نفسه، أطلق جيش الاحتلال صاروخاً مضاداً على المبنى المحاصر، ورغم ذلك اشتبك إبراهيم ورفيقه صبوح مرة أخرى مع القوة الخاصة التي حاولت الصعود إلى الشقة.

وفي الساعة الـ8:35 من صباح اليوم المذكور، تم إرسال "كلب مدرب" باتجاه الشقة للتحقق من اغتيال الثائر النابلسي، لكنه أطلق النار صوبه وقتله، ليرد جيش الاحتلال على الفور بقصف المنزل بصاروخ مباشر، ليصمت حينها صوت الرصاص من داخل الشقة وينتهي الأمر باستشهاد ابراهيم ورفيق دربه اسلام صبوح.

رسالة الوجع التي أبكت الملايين..

روت أم إبراهيم لـ"أمد"، آخر اتصال بينهم حدث بينهما قبل استشهاده بدقائق، حيثُ قالت: الساعة الـ8:10 اتصل بي رقم غريب، فأجبت على الاتصال فكان إبراهيم فقال لي "أنا استشهدت.. ادعيلي.. أنا بحبك كتير بحبك بحبك بحبك، وعادها لي ثلاث مرات، فقلت له حينها يا إمي أنا سامعة صوتك وان شالله هترجعلي خليك قوي"، فعادها لي مرة ثانية وقال: "أنا استشهدت يا إمي.. أنا بحبك كتير.. ادعيلي".

وأضافت، حينها أغلق الهاتف وناديت عليه إبراهيم إبراهيم ولم يجيب، وبعد دقائق انتشر الخبر عبر الإعلام أن إبراهيم قد استشهد، فقلت "قلبي رضيان عليك.. فارضى عنه يا الله".

وتابعت، كنت أحتضن إبراهيم بالصدفة عندما أراه في شارع أو مكان عام مع بعض رفاقة المقاومين، وفي آخر لقاء بيننا احتضنته وأنا أبكي وقام حينها بمسح دموعي وطلب مني إن استمريت بالبكاء فلم يراني مرة ثانية، وحينها وعدته أن لا أبكي أبداً.

وعن تلقيها نبأ استشهاد فلذة كبدها، شددت أم الثائر النابلسي في حديثها مع "أمد"، استقبلت نبأ استشهادة كأنه عرسه وهو الذي طلب مني أن لا أبكي وأنا وعدته بذلك، لذا قمت بحمل نعشه على كتفي وحملت بندقيته وسرت بين الناس مثلهم، وودعته كما ودعوه.

لم يكن اتصال الفدائي النابلسي على والدته المؤثر فقط، بل رسالته التي هزت كيان العالم وهو يقول بصوته بآخر انفساه وقبل ارتقاءه شهيداً اذا استشهدت ياشباب.. أنا بحب أمي كتير.. حافظوا على الوطن من بعدي.. أنا هلأ محاصر ورايح استشهد.. وبوصيكم يا شباب ما حد يترك البارودة".

رسالة أبكت من لا يعرف النابلسي.. وسطّرت ملامحه بالدماء على جدران عربية ودولية، وليست فلسطينية فقط.

وأرسلت أم إبراهيم عبر "أمد" رسالتها لأمهات الشهداء قائلة: اصبروا فأبناءكم في مكانة أفضل من هذه الدنيا، وأبناءنا شرف لنا وعزة وسنبقى نفتخر باسمهم مدى الدهر".

وتابعت في رسالتها للمقاومين والفدائيين بكل فلسطين قائلة: التصر حليفكم، وفلسطين ستنتصر، والأقصى سيتحرر بسواعدكم ومن بعدكم.

في أحد الفيديوهات التي تحدث فيها الفدائي النابلسي طالب فيها من الناس "انها تصحصح "، وكان يقصد الوضع الفلسطيني القائم والمناكفات الفصائلية سواء في غزة أو الضفة الغربية، مطالباً أن يكون هناك وعي وعودة للبندقية والمقاومة المسلحة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي وانهاءه وتحرير فلسطين من نهرها إلى بحرها.