قواعد الاشتباك في حرب المنهكين

تابعنا على:   19:15 2022-11-20

عبدالله السناوي

أمد/ تتمدد الحرب الأوكرانية في الزمن، والاستنزاف المتبادل أخذ مداه على جانبي الصراع الدامي دون أفق سياسي مؤكد يضع حداً لحرب المنهكين.
احتمالات التفلت عن أي قيد واردة، فلا قواعد اشتباك تضمن ألا يستخدم السلاح النووي بذريعة أو أخرى، أو تمنع من امتداد النطاق الجغرافي للمواجهات إلى دول ثانية في قلب القارة الأوروبية.

إذا ما جرى التورط في الخيار النووي فإنها نهاية الحضارة الإنسانية. وإذا ما اتسع النطاق الجغرافي للمواجهات العسكرية فإنها الحرب العالمية الثالثة، التي قد تستدعي بدورها الخيار النووي.

التفلت المحتمل يطرح سؤال قواعد الاشتباك. في لحظة خيم التفلت النووي في رسائل متبادلة بين طرفي الصراع.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لوح بالخيار النووي عندما تراجعت قواته بفداحة في ميادين القتال، أراد أن يقول: «لا تنسوا أن روسيا دولة نووية».

والرئيس الأمريكي جو بايدن أجرى على الفور مع الحلفاء الغربيين مناورة عسكرية بالأسلحة النووية، أراد بالمقابل أن يقول: «لا تنسوا الثمن الرهيب الذي سوف تدفعونه».

التلويح غير الفعل لكنه قد يفلت من عقاله. بقوة المخاوف، التي شملت العالم بأسره، جرى استبعاد الخيار النووي في خطاب الدولتين الكبيرتين.

روسيا نفت أن تكون بوارد استخدامه. وأمريكا بدورها نفت أن يكون قصدها من المناورة العسكرية الرد على تصريحات «بوتين»، حيث كانت مقررة قبلها.

هدأت المخاوف نسبياً، لكنها أطلت مجدداً بالتحريض على دخول حلف «الناتو» بصورة مباشرة في القتال الميداني بذريعة أن روسيا أطلقت صاروخاً على الأراضي البولندية العضو في الحلف.

كان ذلك تحريضاً دون تدقيق أو تحرٍّ للحقائق، قاده الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لجرّ «الناتو» إلى الحرب وتوسيع نطاقها الجغرافي.

بخشية الانجرار إلى حرب عالمية ثالثة سارعت الولايات المتحدة وروسيا معاً بنفي أن يكون الفعل مقصوداً. بايدن رجح أن يكون صاروخاً مضاداً أوكرانياً سقط داخل الحدود البولندية.

اتصل بالقادة الأوروبيين ليبلغهم الحقيقة بينما حمل وزير خارجيته أنتوني بلينكن روسيا المسؤولية التاريخية عما حدث.

لم يكن ذلك تناقضاً، أراد بايدن أن يضع حداً لاحتمال التورط المباشر في الحرب بنفي الاتهام عن موسكو فيما بلينكن يطلب الحفاظ على التعبئة العامة ضد موسكو باعتبار أنها تتحمل مسؤولية غزو أوكرانيا.

اللافت أكثر هو الموقف البولندي، الذي نفى بصورة قاطعة أن تكون هناك أية معطيات تشير إلى أن سقوط الصاروخ كان هجوماً متعمداً حسب تعبير رئيسها أندريه دودا.

بحكم إرث التاريخ فهناك تعقيدات ورواسب في العلاقات البولندية الروسية تعود إلى أيام الاتحاد السوفييتي السابق.

وبحكم الدور، فإن بولندا الجسر الرئيسي الذي تمر عليه إمدادات السلاح المتقدم إلى أوكرانيا وعلاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة تطلبت تبادل المعلومات وتنسيق المواقف قبل إصدار التصريحات.

إنها الدولة الأوروبية الأكثر تشدداً في الحرب الأوكرانية، لكن مصلحتها اقتضت أن تبعد النيران عن أراضيها على عكس ما كان يأمل زيلينسكي.

كانت أزمة الصاروخ الأوكراني كاشفة للحسابات المتضاربة داخل المعسكر الواحد.

الاستخلاص الأهم أن الكلمة الأخيرة في التحالف الغربي للولايات المتحدة وحدها. بلا استثناء واحد اتّهم الأوروبيون روسيا بالمسؤولية وتأهب «الناتو» لإنفاذ ميثاقه الذي يوجب التدخل إذا ما جرى اعتداء على إحدى دوله.. وبلا استثناء واحد تراجعوا عن الاتهام محملين روسيا مسؤولية الحرب.

كان ذلك داعياً إلى مدح روسي نادر ل«حرفية» و«دقة» الاستخلاص الأمريكي والتعريض بالأداء الأوروبي.

تأكدت في تلك الأزمة أهمية أن تكون هناك قواعد اشتباك تمنع أي انزلاق محتمل لتوسيع نطاق الحرب، أو الانجرار إلى حرب عالمية ثالثة وأخيرة!

ليس بوسع أحد حسم الحرب بالسلاح. هذه حقيقة نهائية في الأزمة الأوكرانية. لا أحد سوف يهزم بالضربة القاضية وتُملى عليه شروط الاستسلام.

حرب المنهكين قد تفضي في سيناريو أو آخر إلى سلام المنهكين. الحرب باتت عبئاً لا يطاق على طرفيها وتكاليفها العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية فوق التحمل.

باليقين فإن روسيا استنزفت اقتصادياً وعسكرياً. لم تكسب رهانها على الحسم السريع عند بداية ما أسمته ب«العملية العسكرية الخاصة». اضطرت لتعديل أهدافها أكثر من مرة لتتوافق مع الأوضاع الميدانية لقواتها.

بقدر مماثل لم تكسب الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون رهانهم على إسقاط روسيا باستنزافها عسكرياً في أوكرانيا فيما يشبه إسقاط الاتحاد السوفييتي السابق في أفغانستان.

لم تسفر العقوبات التي لم يسبق لها مثيل إلى عزلها دولياً أو الانقلاب على بوتين من الداخل، واهتزت مكانة الولايات المتحدة في العالم.

هكذا ضرب الاستنزاف وتوابعه الطرفين معاً. دفع العالم فواتير إضافية في أزمتي الطاقة والغذاء.

كان العالم العربي والقارة الإفريقية ميداناً للأزمة الأولى، والقارة الأوروبية ميداناً للثانية.

في الأزمة الأولى، جرت وساطة تركية وأممية في إسطنبول أفضت إلى ما يعرف باتفاقية تصدير الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود، وقد جرى تمديدها لفترة محدودة حتى تحصل موسكو بمقتضاها على حق مماثل في تصدير أسمدة ومواد غذائية بعيداً عن العقوبات المفروضة عليها.

لم يكن ذلك عملاً إنسانياً محضاً بقدر ما كان محاولة لتخفيف حدة العقوبات وفتح نافذة ما على الحلول السياسية المستعصية.

وفي الأزمة الثانية، أطلت على أوروبا مخاوف أن يكون فصل الشتاء قاسياً، أو أن يترتب عليها أوضاع اجتماعية يصعب احتمالها بارتفاع أسعار السلع في الأسواق.

في أحوال الاستنزاف المتبادل بدأت تتبدى رغبات شبه مكتومة للتوصل إلى تسوية سياسية ما، ورغبات شبه معلنة ألا تفلت قواعد الاشتباك إلى فوضى دولية ضاربة تأخذ العالم كله إلى المجهول.