الجنرال كوخافي في أمريكا: وسام الجريمة واستحقاق العقاب

تابعنا على:   10:10 2022-11-24

أمد/ حرصت الإدارة الأمريكية على الاحتفاء هذا الأسبوع بزيارة الجنرال أفيف كوخافي، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، للتأكيد على أن العلاقات الأمنية لا تتأثّر بالتبدلات الحاصلة في إسرائيل وبمشاركة اليمين الديني الفاشي في حكومة نتنياهو الجديدة. خلال زيارته، مُنح كوخافي وسام الاستحقاق الرئاسي، وعبّر الأمريكيون عن تقديرهم له ولدوره في ما يشبه حفل توديع له عشية انقضاء خدمته العسكرية المنتهية في مطلع العام المقبل.
وكان كوخافي قد أجرى لقاءات مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، ومستشار الأمن القومي جاك سيليفان، ومدير سي. أي. إيه وليام بيرنز، وقائد المنطقة الوسطى «سنتكوم» الجنرال مايكل كوريلا، وآخرين من المسؤولين الأمريكيين. وجاء في البيانات والإحاطات والتسريبات الصحافية الصادرة عن هذه اللقاءات أن الولايات المتحدة ملتزمة بمنع إيران من حيازة أسلحة نووية، وبرفع مستوى التعاون العسكري والأمني مع إسرائيل، وبأنّها وافقت على رفع سقف التهديدات وإجراء مناورات عسكرية مشتركة مع إسرائيل تحاكي هجوما على إيران وحلفائها. توقّع الكثيرون أن يحصل «تبريد» في العلاقات بعد منح وزارات إسرائيلية مهمّة للتيار الديني الفاشي، وبسبب البرامج المعلنة للحكومة الجديدة، المستفزّة حتى للولايات المتحدة، ولكن الذي حدث هذا الأسبوع كان عكس ذلك، حيث ساد «الدفء» والحميمية لقاءات كوخافي والمسؤولين الأمريكيين، وكانت الرسالة واضحة بأن العلاقات العسكرية والأمنية المتينة، لا تتأثّر بالتبدلات السياسية في تل أبيب وواشنطن، وإذا كانت هناك بعض الخلافات، فهي تبقى على مساحة محدودة من السطح السياسي ولا تغوص في العمق الأمني الاستراتيجي.

أي وسام وأي استحقاق؟

منحت الولايات المتحدة الجنرال أفيف كوخافي وسام الاستحقاق العسكري، لكن الجنرال لا يستحق أي وسام سوى وسام الجريمة العسكرية، فسجلّه، كما سجلّ غيره من جنرالات الدولة الصهيونية، حافل بارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، ولو كانت الولايات المتحدة دولة «حرّية وديمقراطية وسلام وحقوق إنسان»، كما تدّعي لكان عليها أن تعتقله وتحاكمه وتعاقبه بما يستحق من عقاب، خاصة أنّ اسمه مدرج ضمن قائمة 200 مسؤول معرّضين للمساءلة والتحقيق في محكمة الجنايات الدولية، بتهم ارتكاب جرائم حرب، وجرى إعداد القائمة استنادا إلى رأي خبراء إسرائيليين في القانون الدولي. وكان كوخافي، خلال الانتفاضة الثانية، قائدا لكتيبة المظليين ومن الداعين إلى عدم التردد في القيام بعمليات عسكرية في مناطق مأهولة بالسكان، وهو يتحمّل مسؤولية قتل المئات من الفلسطينيين غالبيتهم من المدنيين. وهو الذي خطط في حينه اقتحام مخيّم بلاطة وابتكر طريقة هدم الحيطان بين المنازل والتنقل عبر الثقوب من بيت إلى بيت، حتى لا يتعرّض الجنود للنيران إذا خرجوا إلى الشارع، وقد نسخت القوّات الأمريكية هذا الأسلوب خلال حربها في أفغانستان. وفي عام 2003، عُيّن كوخافي قائدا للواء غزّة العسكري، وأدار عددا من الاعتداءات الوحشية على أهالي قطاع غزّة، وحين أنهى عمله هذا سنة 2006، أراد السفر للدراسة في لندن، إلّا أنه اضطر إلى إلغاء سفره خشية اعتقاله بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزّة، وغادر بدل ذلك للالتحاق بجامعة في الولايات المتحدة. وتواصلت، بعد عودته، جرائمه في قطاع غزّة والضفة الغربية وسوريا وغيرها إلى يومنا هذا بلا انقطاع، ولكن هذا ليس بذي بال في منظور الولايات المتحدة، التي ارتكب جيشها جرائم لا تقل بشاعة. ما تعليل الإدارة الأمريكية على منح «وسام الاستحقاق» باسم الرئيس بايدن إلى جنرال إسرائيلي متهم بجرائم الحرب؟ الجواب أن من يراه أصحاب الضمير مجرما يستحق العقوبات، تراه الولايات المتحدة بطلا يستحق الأوسمة. لقد أورد الأمريكيون عدة أسباب لتقليد الوسام للجنرال الإسرائيلي أهمها:

قد تكون أسباب المبالغة في الاحتفاء الأمريكي بكوخافي سياسية محضة، لأن لديه طموحات ومخططات للانخراط في الحلبة السياسية، بعد أن يخلع بدلته العسكرية

أولا: الدور المميّر للجنرال كوخافي في «تعميق روح التعاون والشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة».
ثانيا: براعة استثنائية في القيادة العسكرية كرئيس لأركان الجيش الإسرائيلي في السنوات الأربع الأخيرة.
ثالثا: تثبيت مكانة إسرائيل كقوّة أمنية وعسكرية رائدة في المنطقة، لديها قدرات عملياتية فعّالة في الشرق الأوسط.
رابعا: أظهر قدرات استراتيجية غير اعتيادية باستغلاله «الاتفاقيات الإبراهيمية»، لتعميق أواصر التعاون العسكري.
خامسا: أدار بكفاءة العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة، خلال عملية انتقال إسرائيل من إطار منطقة أطار منطقة أوروبا للجيش الأمريكي «يوكوم»، إلى المنطقة الوسطى «سنتكوم».
هناك أيضا أسباب أخرى لم تذكرها البيانات الأمريكية، لكنّ التبجيل الأمريكي المعلن، والإشادة بالدور الإقليمي لإسرائيل والتأكيد على تعميق الشراكة هي كلّها دلائل على رفع مستوى التعاون العسكري بالأخص في الملف الإيراني.

مناورات مشتركة

لم يسافر الجنرال كوخافي إلى واشنطن فقط لاستلام «وسام الاستحقاق»، فقد وصف الجنرال أهرون حليفة، رئيس شعبة المخابرات العسكرية الإسرائيلية خلال يوم دراسي لمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب يوم الثلاثاء الماضي، هذه الزيارة بالمصيرية. وأكد كوخافي في بيان صادر عن مكتبه، أنّه قال للمسؤولين الأمريكيين «إننا نعيش لحظة حرجة تستدعي تسريع الخطط العملياتية والتعاون المشترك ضد إيران وحلفائها الإرهابيين في المنطقة». ووفق ما نشره موقع «فوكس نيوز ديجتال» عن مصادر أمريكية وقناة 11 الإسرائيلية عن مصادر إسرائيلية، فإن هناك نية لإجراء مناورات جوّية أمريكية إسرائيلية مشتركة، في أجواء الشرق الأوسط، تحاكي هجوما عسكريا على إيران وحلفائها. وإذا صحّ الخبر فإن الولايات المتحدة تكون قد قبلت طلب إسرائيل برفع حدّة التهديدات تجاه إيران. ومن الواضح أن إسرائيل تسعى لاستغلال الغضب الأمريكي على إيران بسبب دعمها لروسيا في الحرب الأوكرانية وتزويدها إيّاها بمسيّرات هجومية، جرى استعمالها فورا في الحرب.

مطالب كوخافي

هناك شبة إجماع على أن العودة إلى الاتفاق النووي غير مطروحة في الوقت الحالي، والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية مرتبكة إلى حد ما من «عدم القرار» الأمريكي، فلديها مطالب في حال جرى التوصّل إلى اتفاق ومطالب أخرى مع إضافات في حال عدم التوصّل إليه. وعليه حمل كوخافي معه الى واشنطن مطالب تنفع في كلا الحالتين:
أولا: أن تعلن الولايات المتحدة أنّها مستعدة لضرب إيران عسكريا في حال هي وصلت الى قدرات نووية. وكما هو معلوم فإن الولايات المتحدة ليست مستعدة لهذا الإلحاح الإسرائيلي.
ثانيا: أن ترفع الولايات المتحدة سقف التهديد، وتعلن أنها لن تسمح بـ»امتلاك إيران قدرات نووية»، وليس فقط بـ»حيازة أسلحة نووية»، والفرق كبير بين القدرة على إنتاج أسلحة وإنتاجها فعلا.
ثالثا: أن تقرر الولايات المتحدة وتعلن استعدادها دعم إسرائيل سياسيا وعسكريا واقتصاديا في حال هي قامت بهجوم عسكري على المرافق النووية الإيرانية.
رابعا: أن ترعى الولايات المتحدة في إطار «سنتكوم» وفي أطر أخرى التعاون العسكري والاستراتيجي بين إسرائيل ودول التطبيع العربي، وأن تربط خيوط الشراكات الأمنية في المنطقة.
خامسا: ترجمة ما وعد به الرئيس الأمريكي، جو بايدن، خلال زيارته لإسرائيل وفي «إعلان القدس»، إلى خطوات فعلية وإلى مشاريع عملية.
سادسا: مواصلة وتطوير المشاريع المشتركة في مجالات التسليح وتطوير الأسلحة والمعدّات العسكرية، والتعاون المخابراتي وتبادل المعلومات وغيرها.
يبدو ظاهريا أن الاحتفاء الأمريكي برئيس الأركان الإسرائيلي ينحصر في المحور العسكري، ويتجاهل الأبعاد السياسية لما يجري في إسرائيل، لكن قد تكون أسباب المبالغة في الاحتفاء سياسية محضة، لأن لدى الجنرال كوخافي طموحات ومخططات للانخراط في الحلبة السياسية، بعد أن يخلع بدلته العسكرية، وبعد أن تمر فترة «التبريد»، التي يفرضها القانون الإسرائيلي لمدة سنتين. الإدارة الأمريكية الحالية تعوّل على كوخافي شخصيا ليصبح رئيسا لوزراء إسرائيل، وستحاول دعمه وتسهيل الأمور عليه. ليست هناك مؤشّرات واضحة بالنسبة لوجهة كوخافي الحزبية، لكن من المؤكّد أنه ينتمي، مثل سابقيه، إلى التيار المركزي في السياسة الإسرائيلية، وهذا ما يرشح من سلوكه وتصريحاته ومن ارتياح الإدارة الأمريكية له. وحين سيترشح كوخافي لرئاسة وزراء إسرائيل سيواجه منافسا قويا هو رئيس الموساد السابق يوسي كوهين، وهو مرشّح نتنياهو لخلافة العرش.
رئيس حزب التجمع الوطني في أراضي 48